...

لو يعرف الفلسطينيون حجم اساءتهم!!


أسامة عبدالستار موسى الفرا 


التفاصيل

لو يعرف الفلسطينيون حجم اساءتهم!!

مشير قاسم الفرا

26/05/2009




جاء لقاؤنا في 'شيفليد' مع المناضلة الايرلندية الرائعة 'كويفا باترلي' منسقة حملة 'غزة الحرة' في قطاع غزة لينقلنا بين صورتين الأولى النمطية وهي كيف ينظر المتضامنون حول العالم لنا ولقضيتنا والأخرى واقعنا المرير على جميع الأصعدة ومنها من يتاجرون في معاناتنا من فاسدين تبلدت كل احاسيسهم ان وجدت.

'كويفا' تحدثت بعاطفة شديدة عما رأته من مناظر القتل والدمار، خلال العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة، عن الأشلاء المتناثرة، الأجساد الصغيرة المحطمة كما وصفتها، عن الأسر التي ما زالت تفترش أرض الخيم التي ما زالت تلاحق الفلسطينيين بعد أكثر من ستة عقود على النكبة عن اطلاق النار المتعمد على طواقم الاسعاف الطبية، وعن البطولة الحقيقية لأعضاء هذه الطواقم ورفضهم المطلق للتراجع رغم سقوط عدد غير قليل منهم بين شهيد وجريح، عن الآلاف التي تُصّر على البقاء فوق منازلها المدمرة ولا تتركها وتقول لاسرائيل ولغيرها انهم باقون ولن يرحلوا الا جثثاً هامدة. أعلنت 'كويفا' رفضها المطلق لمعاملة الفلسطينيين كضحايا فقط بل كمقاتلين من أجل العدالة التي حُرّموها وواجب دعمهم فيما يريدون عمله لا أن نفرض عليهم ما يجب عمله. عرضت لنا 'كويفا' ايضا صوراً عن جمال قطاع غزة المنسي حسب قولها، عن الأرض الطيبة، الاشجار القليلة التي ما زالت واقفة تتحدى المحتل، عن طيبة وحب الناس وكرمهم رغم مصابهم الفادح.

استمعت لهذا كله بعيون دامعة منتقلاً الى الصورة الأخرى، وضعنا الداخلي المقيت، الانقسام البشع الذي شَوَّهَ كل ما هو جميل فينا والذي أفقد الكثير من الفلسطينيين ايمانهم ببعضهم البعض بل وحوَّل انظارهم عن قدسية قضيتهم كما تراها 'كويفا' وغيرها. تصدمنا التقارير اليومية التي نسمعها عن الإحباط الرهيب الذي أصاب الفلسطينيين خاصة الشباب منهم والإحصائيات الصادمة عن نسبة من يريدون ترك الوطن والهجرة ولا ألومهم أو أزايد عليهم فقد وصلوا لهذه الحالة نتيجة سنين طويلة من انعدام القدوة القيادية والمتاجرة بكل شيء وأي شيء وكله 'بإسم الوطن'.

شَكَّت لي 'كويفا' بشدة من شخص من مدينتي خان يونس ويعمل مندوباً للسفارة الفلسطينية في القاهرة على الجانب المصري من معبر رفح ومهمته الاساسية مساعدة المسافرين خاصة الجرحى منهم وتسهيل اجراءات سفرهم والتخفيف عنهم. بدلاً من هذا يقوم هذا المندوب سيئ السمعة المعروف لكل المسافرين بفساده وانحرافه بابتزاز كل المسافرين وأخذ مبالغ منهم نظير مساعدتهم ووصلت به الوقاحة الى ابتزاز الجريح الذي كان يرافق 'كويفا' والمهدد بقطع رجليه نتيجة اصابته خلال العدوان على غزة. حاولت 'كويفا' مع بعض رفاقها جمع المبلغ الذي طلبه، '800 دولار امريكي' لكن الشاب الجريح رفض بشدة وصرخ 'أُفَّضِلْ أن تقطع رجلاي الاثنتان على ان تدفعوا ولو قرشاً واحداً لهذا الـ....'.

عندها حدثت ضجة كبيرة واضطر المندوب للتراجع قبل هذا سمعنا قصصا كثيرة عن هذا الشخص وغيره، عن مبالغ دفعت لهم لضمان الخروج. السؤال المهم كيف يسمح مسؤولو السلطة الفلسطينية والسفارة بالقاهرة خاصة السفير لهذه الجرائم الوقحة ان تحدث بل وتستمر فقائمة الشكاوى كثيرة، هواتف خلوية وهدايا اخرى قيِّمة يطلبها بعض الموظفين بالسفارة لقاء مساعدتهم في الحصول على تأشيرات لدخول 'مصر'. نعرف جيداً ان بعض موظفي السفارة الفلسطينية بالقاهرة ما زالوا من 'الشرفاء' الذين أصبحوا عملة نادرة في الوسط الفلسطيني المتنفذ فلماذا لا يتحركون ضد هذه التصرفات؟ السفارة الفلسطينية بالقاهرة مطالبة وفوراً بفتح تحقيق للتأكد من صحة هذه الشكاوى أولاً ومن ثم معاقبة القائمين على هذه الجرائم وليس الطبقة الحزبية المقيتة التي تعودنا عليها وللأسف فمن العار ان يستمر بعضنا في استثمار معاناة أهلنا والمتاجرة بجرحهم في وقت يقف العالم الحر كله الى جانبنا.

الوضع مُزر وحالات الفساد كالتي ذكرت تتكرر يومياً ليس في معبر رفح فقط بل في العديد من الأماكن داخل فلسطين وخارجها.
والكل يشكو والكل يشكك ولكن لا حياة لمن تنادي ويبدو ان قيادتنا قد وصلت الى حالة من التبلد لم تعد تنفع معها الشكوى.

أكاد أجزم ان الشعب الفلسطيني قد فقد ثقته في قيادته الوطنية من الصف الأول الى الأخير وان كانت هذه القيادة راغبة في النهضة بهذا الشعب المكلوم كما 'تَدَّعي' فلا تكفينا الشعارات التي قرفنا منها ومطلقيها بل المطلوب محاسبة فعلية ليس فقط لمن ذكرت فهؤلاء 'أسماك صغيرة جداً' مقارنة بالحيتان الضخمة الفاسدة التي يعرفها الفلسطينيون جيداً والتي صالت وجالت وتاجرت بنا في كل مجال من جرحنا ونكبتنا الى زيتنا وزعترنا وما زالت.

أقولها وبكل وضوح للرئيس محمود عباس وقيادته المتنفذة 'ان لم تتحركوا فوراً فأنتم وبلا شك جزء من هذا الفساد' أعود لـ 'كويفا' فتاة اوروبية شديدة الذكاء والجمال، متحدثه لبقة وقوية الشخصية كان بإمكانها ان تبني حياة مادية مرموقة في هذا العالم الاستهلاكي فلا ينقصها اي مقومات.

ماذا اختارت؟ وهبت حياتها لكل قضية عادلة فمن مخيمات الفقراء بغواتيمالا الى العراق لتتصدى للعدوان الامريكي ومن ثم مع المقاومين في جنوب لبنان تضمد جراح ضحاياهم خلال عدوان 'تموز 2006'.
والان ودوماً مع الفلسطينيين بالأمس في الضفة والان في قطاع غزة ضد آلة القتل والدمار الصهيونية. مواقف 'كويفا' وغيرها تفرض علينا سؤالاً مهما: هل هذه هي القدوة التي يجب ان نتبعها؟ من يدري.

هامش:
مع كل مسافر فلسطيني عبر معبر رفح تأتي قصص الذل والمعاناة على الجانب المصري، بشتائم، الاهانات، الحجز لساعات طويلة في ظروف أقل ما يقال عنها انها 'لا انسانية' والترحيل والحال في مطار القاهرة لا يختلف كثيراً وكأن هذا الشعب ليس فيه ما يكفيه من معاناة تفوق احتمال البشر. لا نفهم هذا في وقت يَدَّعي النظام المصري يومياً عبر اعلامه، ويؤيده بعض المسؤولين الفلسطينيين عن حرصه على الفلسطينيين ووحدتهم ومستقبلهم، والسؤال الذي نوجهه لوفدي الحوار من 'فتح' و'حماس' لماذا لا تضعون هذه القضية كأولوية أمام المسؤول المصري عمر سليمان فهذا الذُل الذي يعانيه أهلنا هو ذلكم ان كنتم تستحقون تمثيلهم.