...

الإنتماء...والصبر


م.بلال الفرا

محلل نظم ومطور برامج الجامعة الإسلامية

التفاصيل

الانتماء والصبر

بقلم:بلال كمال الفرا


16.09.2009



حال القطاع لم يعد يسر أحد فلا كهرباء ولا ماء ولا مواد بناء , حصار خانق ما ينفذ يصعب تعويضه , العملة التي تخرج "عبر الأنفاق" لا تعود والأنفاق التي وجدت لكسر الحصار لا رقابه عليها فنجد المفيد والغير مفيد ..وأخيرا نجد تهريب السيارات "المقصوصة" والتي لا نعلم إذا ما كانت مسروقة أم غير مسروقة
بات الكثير من أبناء قطاع غزة يشعر بالملل والضيق وأنا أحدهم -فعلى سبيل المثال كل الأحلام التي بنيتها مرهونة بانتهاء الحصار وإدخال مواد البناء وبالتالي حياتي الآن معلقه- وعلى ذلك تقاس الأمور عند البقية فمن تدمر منزله  لا مأوى له فلن يستطيع بناء منزلا وسيصعب عليه الإستئجار مع إرتفاع إيجار الشقق, ومن أراد الزواج فعليه أن يصبر كثيرا أو التكلف بأضعاف أضعاف تكاليف الزواج المقدره قبل الحصار, ومن لديه مصنع فمصنعه موقوف طالما لا وجود لمواد الخام والتي لا يصلح أن تأتي عبر أنفاق ..العديد من المؤسسات والشركات والمصانع توقفت والعديد من المشاريع مرهونة بانتهاء الحصار.


وأصبح جزء كبير من أهل القطاع يعيش على المساعدات الخارجية والبقية البسيطة إما مدعومة من الحكومة في الضفة فتأخذ الرواتب دون عمل "جالسون في بيوتهم " وإما يعملون في الحكومة في غزة أو المؤسسات والجمعيات والأعمال الخاصة لكن الجميع غير مسرور من هذه الأوضاع -سوى من استطاع تسخير هذه الأوضاع لمصالحه من تجار الأنفاق وغيرهم-

بحثت في كتب التاريخ عن قصص الحصار –حصار المدن أو دول- لأرى نهاية الحصار كيف تكون وكيف من الممكن أن نستفيد, معظم ما قرأته في التاريخ عن حصار المدن كان ينتهي بنجاح الحصار وسقوط المدينة لكن كان هناك بعض القصص التي تتحدث عن فشل الحصار سأقتبس البعض منها بهدف الاستفادة

حصار "لينين جراد" : وكانت تسمى مسبقا "بتروغراد" على اسم بانيها وحاليا أصبحت باسم سان بطرسبورغ وهي إحدى الكيانات الفدرالية في روسيا تعرضت لحصار خانق عام 1941 حيث حاصرها الألمان حصارا محكما بجانب الغارات الجوية على المدينة, ودام الحصار أربعمائة وخمسة وخمسون يوما تعرض فيها سكان المدينة للموت من الجوع والبرد والغارات الألمانية, وتوقفت جميع مناحي الحياة لكنهم صبروا وقاوموا بقوة فحملوا السلاح ودافعوا عن مدينتهم وناضلوا رغم معاناتهم وكان النصر لهم بعد أن استطاعت القوات الروسية من فتح ثغرة في الحصار ومن ثم إنهاء الحصار عام 1943
عظمة المقاومة والبطولة أذهلت الجميع فكتبوا عن هذه البطولة وأنتجوا أفلاما لتظهر شجاعة وبسالة وصبر أهل هذه المدينة وحبهم وانتمائهم لوطنهم , هذه المدينة التي كان الرئيس الراحل ياسر عرفات يردد اسمها وكان يردد جملة "من جنين غراد إلى رفح غراد" ليظهر بسالة وصمود الشعب الفلسطيني في مقارنه مع صمود وبسالة أهل لينينغراد

طروادة:-قد تكون خرافية لكن يوجد أثار يثبت صحتها-
فهي المدينة التي دام حصارها لأكثر من عشر سنوات لم تستطيع فيها الجيوش الإسبارطية والإغريقية من دخول المدينة فحاولوا كل السبل لكن أبناء المدينة ووحدتهم وصبرهم والتفافهم حول ملكهم وقائدهم حال دون نجاح هذه الجيوش المحاصِرَة التي ملت وبدأ جنودها بعدم الانصياع للقادة إلى أن دبروا الحيلة فصنعوا حصان خشبي عملاق يسع لعدد من الجنود المشهود لهم بالشجاعة والقوه فاختبئوا بداخل الحصان وتظاهرت الجيوش الإغريقية والإسبارطية بالانسحاب فخرج أهل المدينة فرحون بانتهاء الحصار فوجدوا الحصان فقرروا سحبه لداخل المدينة ليكون رمزا لنصرهم على هذه الجيوش وبالفعل سحبوا التمثال داخل المدينة وفي الليل هبط الجنود من الحصان وفتحوا أبواب المدينة للجيوش فكانت الهزيمة القوية وتم حرق المدينة لكن مقاومة أهل المدينة كانت قوية جدا فقتلوا قائد الجيوش الغازية قبل أن تسقط المدينة في أيدي الجيوش الإغريقية.

حصار إيران الاقتصادي:
فبعد الثورة الإسلامية في إيران فرضت الولايات المتحدة الحصار الاقتصادي على إيران وحاولت أن تزرع الفتن داخل إيران فقامت بدعم التيار الإصلاحي وقامت بمد السلاح لهم بهدف أن يستخدم داخليا بين الإيرانيين لكن ما نراه الآن وكنتيجة للصبر ولروح الانتماء العالية لدى الإيرانيين نجد أن إيران أصبح لديها إكتفاءا اقتصاديا ذاتيا بل نجد التطور التكنولوجي الملحوظ في إيران .


وهنا أريد أن أضيف على الهامش بأن إيران عندما دعمت القضية الفلسطينية منذ بدء الثورة الفلسطينية لم تكن إلا لمصالح ولا زالت تدعم من أجل مصالحها وهذا أمر طبيعي فالعلاقات بين الدول قائمه على أساس المصالح المشتركة, لكن للأسف العرب لم يستفيدوا من هذا الأمر بل قاطعوا إيران مقاطعه تامة مما أدى لزيادة الهيمنة الأمريكية في المنطقة ولا أستبعد أن أرى مستقبلا علاقات أمريكية إيرانية على مستوى أعلى وعندها سيشعر العرب بالخيبة الأكبر.

حصار الشعِب ومن سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم نجد قصة حصار قريش لبني هاشم في الشعب , استمر الحصار لمدة ثلاث سنوات فاشتد البلاء على المسلمين ولشدة الجوع ربطوا على بطونهم الحجارة وسمع صوت النساء يتضاغنون من وراء الشعب من الجوع ومع ذلك وبالصبر والانتماء للدين "الإيمان" كان النصر , فتحول الحصار إلى نصر عظيم للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه.

وهناك قصص عديدة في هذا المجال سواء في كوبا أو كوريا والعديد من القصص لا يتسع المجال لذكرها, لكن ما أريد أن أخلص له هو: أن محاولات الحصار للشعوب قد تنتهي في الأغلب بنجاح الحصار وسقوط المدينة أو الدولة المحاصَرَة, فالواقع يدعم فوزهم  لأن من هو خارج القلعة أو المدينة المحاصَرَة يكون في وضع الهجوم بينما من هو داخل المدينة فيكون في وضع الدفاع والنصر غالبا ما يكون حليف المهاجم ...لكن هذه الحقيقه ليست مسلًمَهْ  فهناك قصص أشارات لفشل الحصار في تحقيق الأهداف ويرجع الفشل لعاملين أساسيين يجب توفرهما في الشعب المحاصَر :
العامل الأول هو الإنتماء: والإنتماء بأنواعه الانتماء للدين وللوطن وللهدف الأسمى , والانتماء حتى يكون انتماءا يجب أن يتم تدعيمه بعدة ركائز :
- ركيزة "أعدوا لهم ما استطعتم من قوة" فلا يعقل أن يقف المحب لمحبوبته متفرجا وهي تغتصب
- وركيزة الفداء والجهاد
- وركيزة اليقظة والحيطة "الكياسة والفطانة" فيكون حريصا منتبها لمكر أعدائه فلا يكون سهلا ولا يسمح للفتن ومكائد الأعداء من النيل منه ووطنه

أما العامل الثاني وهو الصبر: ولهذا العامل لوحده العديد من القصص التاريخية انتهت بالنجاح فقط بالإستعانه بهذا العامل ويكفيكم قصص الأنبياء الذين صبروا على أذى الكفار فكانت النتيجة التوفيق والنجاح والنصر من ربهم ,, فما البلاء إلا امتحان ففي زمن الشدة تميز الخبيث من الطيب, فيتبين المؤمن الصابر الذي يعبد الله والذي يعمل لوطنه وشعبه من العبد لماله وشهوته.

هذان العاملان إن امتلكهم أي شعب كتب له النصر, وهذا هو ما أنصح فيه شعبي ونفسي أن نصبر وأن ننتمي لقضيتنا بالتقرب لله وبالإعداد جيدا لما هو قادم وباليقظة والحذر من الفتن التي تبث بين صفوف شعبنا, للأسف أرى أن العديد لا يعير هذين العاملين أي اهتمام, وهذا هو أحد أهم أسباب هزيمة العرب فلا انتماء ولا صبر في حين فإن الغرب يعمد إلى استخدام وسائل إسقاط هذين العاملين فيدفع الكثير لأجل أخذ الأكثر, فيدفع ما يريده أي فرد مقابل الحصول على رضاه بما يجري من سلب للحقوق واغتصاب للأرض أو مواردها ...

نجح العدو كثيرا في إسقاط هذين العاملين, بل أبقى على العاملين لكن بمعنى جديد وهو الانتماء لرغيف العيش والصبرعلى كل شيء من سلب للأراضي وسرقة للأقصى وهتك للعرض طالما الأمر بعيدا عن الراتب أو المصالح الخاصة.