قصة دبلوماسي - الحلقة الثانية

في الحلقة السابقة تحدث لنا سعادة السفير بنبذة سريعة عن مرحلة ماقبل الحياة الدبلوماسية، وكيف بدأ عمله في باكستان ومن ثم مأساة بوتو وكيف أثر هذا على عمله الدبلوماسي وتحفظه على التعامل مع قاتل بوتو الجنرال محمد ضياء الحق، وأخيرا طلبه من القائد ياسر عرفات بالسماح له بمغادرة باكستان. 
في الحلقة الثانية حدثنا سعادة السفير عن إنتقاله لأفغانستان وطبيعة العمل هناك، كان إستفسارنا حول كيفية الوصول لماليزيا؟ كما طلبنا من سعادة السفير أن يطلعنا عن التجربة الدبلوماسية والظروف التي واكبت توليه العمل الدبلوماسي، وأن يحدثنا عن الدور الذي تلعبه ماليزيا ساسيا وإقتصاديا تجاه دعم القضية الفلسطينية، فكانت هذه الحلقة الرائعة والقبل الأخيرة.

كابل – أفغانستان :

كابل عاصمة أفغانستان مدينة هادئة وجميلة ، وأفغانستان إجمالا ً بلاد تتميز بطبيعة جبلية خاصة ، وأهلها تميزهم النخوة والشهامة ، ويتشابهون كثيراً في عاداتهم وتقاليدهم مع العرب. من المعروف أن الثورة الشيوعية في أفغانستان بدعم من الإتحاد السوفيتي أطاحت بالرئيس محمد داوود خان ، ومن ثم مقتله مع العديد من أفراد أسرته. وكان محمد داوود نفسه قد أطاح بإبن عمه الملك محمد ظاهر شاه ، وأعلن نفسه أول رئيس لأفغانستان ، وحكم البلاد في الفترة من 1973 – 1978 ، وبعد مقتله تم تعيين نور محمد تَرَكي رئيساً للبلاد ، وقتل أيضاً في إنقلاب عسكري في سبتمبر 1979. وتم تعيين حفيظ الله أمين الذي هو أيضاً قتل في إنقلاب عسكري بدعم سوفييتي في ديسمبر 1979. وتم تعيين بابرك كرمال رئيساً للبلاد ، ومن ثم حدث الغزو السوفييتي لأفغانستان ، وتم التخلص من بابرك كرمال عام 1986 وقيل بأنه توفى فيما بعد بمرض السرطان في موسكو عام 1996. وتم تعيين محمد نجيب الله الذي حكم البلاد حتى عام 1992، وكان الاتحاد السوفييتي قد انسحب من البلاد في عام 1989، وتوالت الأحداث وتم حل الاتحاد السوفييتي ، وتُرِك نجيب الله بدون ظهير. ودخلت البلاد الجماعات الجهادية الإسلامية ، ولجأ نجيب الله إلى مقر الأمم المتحدة في كابل ، وبقي هناك حتى عام 1996. وتَمَكَنَت منه حركة طالبان وقيل بأنها شوهته وخصته ، ثم سحلته في شوارع كابل قبل إعدامه. هذه هي كابل المدينة الجميلة التي عملت فيها في الفترة من  1979 حتى 1982، وشَهِدْت  تلك الأحداث الساخنة ، ولكن لم يحن الوقت لكشف بعض تفاصيل تلك الحقبة الزمنية العصيبة. والحق يقال ، إن الشعب الأفغاني وقيادته كانوا متعاطفين جداً مع القضية الفلسطينية ، وقال لي ذات مرة وزير الداخلة السيد محمد أسلم وطنجار:

 " إنني على استعداد أن آخذ بندقيتي الكلاشنكوف وأذهب للقتال من أجل فلسطين".

كان السلاح متوفر بكثرة في أفغانستان ولا أعني السلاح الخفيف فقط ، المسدسات والبنادق ، بل معظم أنواع الأسلحة الثقيلة ، فعلى سبيل المثال كانت في الآونة الأخيرة تقف على باب سفارتنا دبابة بالإضافة إلى الرشاشات ومضاد للطيران بدعوى الحماية ولكن الحقيقة أن هذه القوات وأجهزتها كانت أيضا ً تراقب وترصد عمليات أخرى لم يحن الوقت للحديث عنها.

ومن الجدير بالذكر أنه في تلك الفترة لجأ أبناء السيد ذو الفقار على بوتو إلى كابل ولا أكشف سرا ً إذا ما قلت بأننا تعاونا معهم ووفرنا لهم نوع من الحماية وعندما تمكنوا من خطف الطائرة الباكستانية ال PIA ونجحوا في الإفراج عن 82 معتقلا ًمن زملائهم كانوا في السجون الباكستانية ، كنت وسفير العراق فتحي العلي – أبو عقيل  نتفاوض مع الخاطفين من جهة وحكومتي باكستان وأفغانستان من جهة أخرى ،  وكان معنا من بيروت عبر اللاسلكي والهاتف الأخ القائد أبو جهاد – خليل الوزير رحمه الله وتمت الموافقة على مغادرة الطائرة من مطار كابل إلى مطار دمشق بناءا ً على تعليماته ، وكانت السلطات الباكستانية على استعداد لإرسال فريق كوماندوز لإقتحام الطائرة ، ولكن الرئيس حافظ الأسد حذر من ارتكاب أي حماقة وما كان من الرئيس الباكستاني ضياء الحق إلا الإنصياع والإستجابة لمطالب الخاطفين التابعين لحزب الشعب الذي يقوده السيد مرتضى بوتو .

وأخيرا ً وبعد تدهور الأوضاع في العاصمة كابل ونشاطات الجماعات الجهادية الإسلامية إضطررت لمغادرة أفغانستان بقرار من الأخ أبو عمار متوجهاً إلى مكان عملي الجديد في كوالالمبور – ماليزيا  ولم يحن الوقت لكشف ملابسات قرار مغادرتي .

كوالالمبور – ماليزيا :

وصلت كوالالمبور في يوليو 1982، وكان الغزو الإسرائيلي الغاشم على لبنان على أشده والتواصل مع الأخ أبو عمار والقيادة الفلسطينية صعب جدا ً، ولاحظت بأن اسم ملك ماليزيا المعنونة له أوراق إعتمادي لم يكن صحيحا ً ، مما استدعى تحفظ رئيس التشريفات ، وطلب مني تغيير أوراق الاعتماد. وكانت تلك مشكلة كبيرة ، حيث يستحيل الوصول للأخ أبو عمار من أجل التوقيع ، ومن المعروف بروتوكوليا ً هنا أن السفير لا يستطيع ممارسة أي عمل رسمي إلا بعد تقديم أوراق اعتماده للملك.

وبعد أكثر من شهر وأنا في هذه الحيرة تصادف حضور وفد فلسطيني قادم من فيتنام ، وطلب مقابلة رئيس الوزراء الدكتور محاضير محمد في ذلك الوقت ، وأبلغني رئيس التشريفات بأنه لا يمكنني مرافقة الوفد نظرا ً لعدم تقديم أوراق إعتمادي ، ولكنني لم ألتزم وذهبت مع الوفد متجاوزاً الأصول المرعية للتشريفات ، وأثناء مقابلة رئيس الوزاء قلت له التالي:

- سيادة الرئيس ، إن لديَّ مشكلة في أوراق إعتمادي بسبب كتابة اسم جلالة الملك فيها خطئا ً، ومضى عليَّ أكثر من شهر لا أستطيع أن أُجري أي اتصالات لا رسمية ولا إعلامية ، وأنا لا أستطيع الاستمرار بهذا الحال أكثر من ذلك ، لا سيما أن شعبنا وقيادتنا يواجهوا عدوانا ً صهيونيا ً غاشماً في بيروت ، ويستحيل الوصول للأخ أبو عمار من أجل توقيع أوراق إعتماد جديدة ، وإذا كان وجودي يسبب لكم أي حرج أو إزعاج فإنني سأغادر غدا ً مع الوفد.

فتجهم وجهه والتفت إلى أحد مساعديه وقال له:

- غداً صباحاً يتم الترتيب مع دائرة التشريفات لكي يقدم السفير أوراق إعتماده الحالية لي شخصيا ً كما هي وريثما يتسنى له تصحيح اسم الملك ، يقدم بعدها أوراق إعتماد جديدة.

بدت الحيرة على وجوه مساعديه ومندوب وزارة الخارجية الذي كان يدون محضر الإجتماع ،  لأنه لم يحدث في تاريخ ماليزيا أن تسلم رئيس الوزراء أوراق إعتماد أي سفير ، ورغم ذلك أجريت الإتصالات اللازمة وذهبت لمقابلة رئيس التشريفات وشرح لي الإجراءات والمراسم المتعارف عليها عند تقديم أوراق الاعتماد لانها تختلف من دولة لأخرى. وبدأ معي بعملية التدريب وعدد الخطوات والإنحناءات والكلام والخطاب والجلوس وما شابه ذلك.

ذهبت في صباح  اليوم التالي مع رئيس التشريفات لمكتب رئيس الوزراء ، وكنت لا زلت أستذكر وأحفظ كل هذه الإجراءات والمراسم ، وعندما دخلت مكتب الرئيس ، كان في انتظاري، وأشار لي بالجلوس فجلست ومد يده لكي يأخذ أوراق الإعتماد فقلت له:

- سيادة الرئيس ، منذ الأمس ودائرة التشريفات يدربونني كيف أقدم لسيادتكم أوراق إعتمادي ، وها أنت بهذه البساطة والسهولة تستلمها مني ، فضحك وقال:

- إنهم دربوك أنت ، ولكنهم لم يدربونني ، وأنا لم استلم من قبل أوراق إعتماد لأي سفير، ولا أظن بأن ذلك سيحدث مستقبلاً. وضحكنا من قلوبنا ، وأردف قائلاً:

- لا يوجد بروتوكولات بين ماليزيا وفلسطين ، وإن احتجت لأي شيء من الآن فصاعدا ً لا تذهب لأحد غيري ، والباب مفتوح لك دائماً.

شعرت بصدق الرجل ومحبته لفلسطين وشعبها ، واستمرت العلاقة الحميمة بيننا لمدة 22 عاما هي فترة حكمة ولا زالت حتى يومنا هذا رغم إنتهاء عملي كسفير وإنتهاء عمله كرئيس وزراء ولكن لا زال له نفوذ كبير وملموس فى الدولة . ونتيجة لتلك العلاقات ، فإن ماليزيا وقفت معنا في كافة الأزمات السياسية والمالية ، ولم يتم رفض أي طلب للشهيد الرمز ياسر عرفات. وأثناء الحصار الإسرائيلي على مقر القيادة في رام الله ، اتصل بي الأخ أبو عمار وقال:

- إسمع يا أحمد ، أنذَرونا بأنهم سيقتحموا المقر بعد نصف ساعة من الآن ، ولكن تحت أي ظروف لن يتمكنوا مني حيا ً، وأريد على وجه السرعة أن أتحدث للدكتور محاضير باعتبار ماليزيا ترأس منظمة المؤتمر الإسلامي وحركة عدم الإنحياز.

كانت تلك اللحظة من أصعب اللحظات التي واجهتها في عملي ، ومرت عليَّ كأنها دهر، ولم يسعفني ذلك الموقف العصيب الذي شعرف فيه بالعجزمن قول أي شيء ، كان الموقف رهيباً لا يمكن التنبؤ بنتائجه ولا بنوايا الاحتلال ، فتمالكت نفسي وقلت :

- حاضر يا أخ أبو عمار، سأعمل على ذلك فورا ً.

 

إنتظرونا في الحلقة القادمة والأخيرة لنتعرف على باقي القصة ولنتعرف أيضا عن أسباب تقديم الإستقالة.



ملك ماليزيا يقلدني الوسام ولقب تانسري

أمام عرش ملك ماليزيا بعد تقليد اللقب والوسام

مع الرئيس أبوعمار ورئيس وزراء الماليزي د.محاضير محمد أثناء إحدى الزيارات

مع الرئيس أبوعمار لقراءة الفاتحة على نصب الجندي المجهول في كوالالمبور

عدد الزوار 48417، أضيف بواسطة/ إدارة موقع الفرا