...

بين الأمس واليوم بقلم بكر مهدي الفرا


بكر مهدي الفرا

جمال عبد الناصر (رجل لن ينساه التاريخ)

التفاصيل

في الأشهر الأخيرة من عام 1995 عمّت الفرحة القلوب فلأول مرة بدأ الاستعداد لاختيار الممثلين للشعب الفلسطيني فيما سُمِّي آنذاك بالمجلس التشريعي وكذلك للرئاسة .

أخذ المرشحون يطوفون على الدواوين والتجمعات العائلية وهم يحملون وعودهم بكل ما يحلم به الشعب من ازدهار في مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسية لدرجة أننا وعدنا نحن في قطاع غزة بأن تكون بلادنا سنغافورة الشرق ..!!

تهافت الناس على الإقبال رغم أن بعض الفصائل قد حرمت اجراء الانتخابات آنذاك باعتبارها تزكية ومخالفة للشرع والطين " ولا تزكوا انفسكم "وانسحبت بعض الفصائل ... ورغم هذا فقد جرت الانتخابات وكنا نرى الكثير من الدعايات الانتخابية وبتغيير كل ما هو حاصل إلى ما هو افضل .

نجح من نجح .. وفشل من فشل وهلل الناس وطبلوا فهم يرون أنهم قد انتخبوا الافضل وما هي إلاّ أياماً معدودة حتى ذاب الثلج وبان المرج وإذا بالأيدي مكبلة عن العمل سواء بإرادتها أو بتأثيرات خارجية ولم نر أي وعدا انتخابي قد تحقق بل العكس ... لقد ارتفعت الاسعار وضاق الحال بالشعب ورأينا اعضاء المجلس كل يعمل لمصلحته ناسياً البشر الذين كانوا يطوفون عليهم في الدواوين بوعودهم ويستجدونهم بانتخابهم فلم نجد منهم بلا استثناء قد خدم إلا نفسه وقاربت المدة الزمنية لعضوية اعضاء المجلس التشريعي على الانتهاء حتى جاء الفرج من السماء وبدل أن تقوم المظاهرات والاحتجاجات على عدم الوفاء حولها الزعيم الراحل إلى انتفاضة شعبية اطلق عليها انتفاضة الأقصى وبذكائه الخارق حولها ضد الاحتلال تطورت الأمور .. وتعقدت المفاوضات بين السلطة الوطنية والاحتلال الاسرائيلي وذهب مفاوضينا إلى كل الاتجاهات والأرجاء .. وعادوا بلا أمل ولا رجاء حتى انتهى المطاف بفرض حصار المقاطعة على زعيم الشعب الفلسطيني ياسر عرفات التي لم يستطع كل زعماء العالم أن يرفعوا عنه ذلك الحصار إلاّ بانتقاله إلى باريس لرحلة الموت ..

وبدأ الشعب .. لا .. بل الفصائل في التحضير للانتخابات من جديد بعد عشر سنوات عجاف من الانتخابات الأولى وما كان محرماً بالأمس أصبح مشروعاً وحلالاً اليوم بعد أن استشهد القادة أبو عمار والياسين والرنتيسي وأبو شنب وشحادة وكثير حيث لا يمكن حصرهم لأنا كلنا مشاريع شهادة حيث أصبح باطن الأرض أشرف من ظاهرها .

وفي أوائل 2006 أعدنا الكرَّة .. عفواً أعاد المتزعمون الكرّة وكانت الدعايات الانتخابية اقوى من قبل حيث اشترك الجميع واختلط الحابل بالنابل وكبرت الوعود بعد أن كفر الناس بالوعود السابقة وأصحابها ..

وظهرت على الساحة قوائم وكتل جديدة كان أهمها كتلة التغيير والإصلاح .. وكان الاسم والعنوان مغرياً وأصحابه بعيدين عن الأنانية ويؤثرون على أنفسهم فتكالبت جموع المنتخبين وآزرت كتلة التغيير و الإصلاح والأمل يحدوها لتحقيق المسمى على الواقع ...

تمت الانتخابات وما فازت الكتلة بالنسبة التي تؤهلها لتشكيل الحكومة وعقد المجلس التشريعي حتى لو اعترض باقي الأعضاء الآخرين .. وفعلاً ..  حصل وتشكلت الوزارة العاشرة ورفضت الكتل الأخرى الانضمام .. وشكلت الوزارة الحادية عشر .. ورفض أبو مازن اصطحاب أي وزير منها معه في أول رحله للخارج .. ورفضت الوزارة عالمياً وحصل الحصار على القطاع .. وعمت الفوضى والفلتان الأمني وأزهقت الأرواح بعد أن رخصت وضاع كل شيء حتى حصل ما حصل .. وكان الانقسام أو الانقلاب فلتسمه اخي القارئ ما شئت الأهم من كل هذا وذاك أننا أصبحنا نندم أننا صدقنا أننا صرنا نحكم أنفسنا بأنفسنا وأننا دخلنا عصر الديمقراطية .

زاد الحصار وتفتقّ الفكر الفلسطيني عن أشياء لم تكن في الخيال .. أصبحنا نستخدم زيت الطعام بدل السولار للسيارات وزادت الأمراض لهذا السبب لا سيما مرض السرطان حيث أن نسبة السرطان في القطاع هي أعلى نسبة في العالم حسب عدد السكان ... واعتمد الشعب على حفر الأنفاق وأصبح الشعب في بطاله عارمة وازدادت الفوارق الاجتماعية بين السكان واستنكف الموظفون الأساسيون عن العمل وحل بدلاً منهم موظفون معظمهم لا خبرة ولا دراية إلاّ من رحم ربي .. وتدّنت الأحوال الصحية والتعليمية والاقتصادية وقامت ثلاث حروب دمّرت أكثر من نصف القطاع وقتل ولا أقول استشهد الآلاف وجرح عشرات الألاف أغلبهم اعاقات دائمة ولا زلنا نعاني وسنظل نعاني لأن كل إنسان متمسك بما حصل عليه من مكاسب شخصية .

واليوم .. ننادي بالانتخابات البلدية .. وهنا أسأل بربكم ماذا حققت البلديات لنا غير زيادة الرسوم والضرائب بدل من تقديم أي خدمات .. وسيخرج علينا غداً المرشحون بالوعود الرنانة والطنانة .. وقد اسقطت قوائم من قبل بدء الانتخابات .. وهنا يأتي السؤال الأكبر لنفرض جدلاً .. وهذا ما سيحصل لو فازت حماس فأي رئيس بلدية يستطيع الخروج من القطاع ليزور مدينة في الشرق أو الغرب ويؤاخي بينها وبين المدنية التي يمثلها وماذا يستطيع أن يفعل في ظل هذا الحصار !!

أما إن فازت قوائم فتح فمن يضمن أن يقدم الأمن الفلسطيني الموجود الأمن والحماية لموظفيها عندما يقومون بعملهم .. وهل يستطيع هؤلاء الأعضاء من إنتاج شيء للوطن والمواطن وممارسة عملهم بحرية ؟؟؟ أقولها ويشهد الله أنني أقول الحق كل الحق أن هذه الانتخابات لن تكون أفضل من غيرها وربما ستجر علينا مشاكل نحن في غنى عنها .. فقبل الانتخابات يا شعب الرباط وحدوا صفوفكم وطهروا صدوركم وانبذوا الانانيات وطلقوا المصالح الشخصية فقد قال الله عزو جل " لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " فمتى سنغير ما بأنفسنا قبل أن نغير  الأشخاص أم نكون كما قال دريد لحام (غوار الطوشة) في إحدى مسرحياته الهادفة  " كل واحد في قلبه غوريلا "

أيها الشعب العظيم .. من لا يتعظ من الماضي لا يستطيع أن يصنع مستقبلا ...

بقلم / بكر مهدي الفرا