...

القوقعه


م.بلال الفرا

محلل نظم ومطور برامج الجامعة الإسلامية

التفاصيل

 

القوقعة

شعور بالضحك والضيق, الإشمئزاز الكره والحب, الفخر والحزن والبكاء, جميع أنواع المشاعر ستشعر بها أثناء قرائتك لكتاب "القوقعة" لمصطفى خليفة. وهو مواطن سوري \مسيحي الديانة ملحد كما أخبر في بداية القصة فعاش في فرنسا حيث درس وهناك كون علاقات الحب وعاش حياة الترف والإنبساط إلى أن حصل على شهادته الجامعية كمخرج سينمائي وعليها قرر العودة لبلده سوريا ليساهم بمجاله في خدمة وبناء وطنه فيودع حبيبته سوزان وينطلق إلى سوريا وهنا تبدأ رحلة العذاب.

فعند وصوله لسوريا يتفحص رجال الأمن جواز سفره ويتم إعتقاله فورا. يسأل عن السبب فيواجه بالضرب وعدم السماح بالسؤال وفور وصوله مبنى المخابرات يؤمر بخلع حذاءه فيخلعهم ولا يعلم بأنه سيبق عاري القدمين لمدة 13 عام, ومن ثم يتم إدخاله الدولاب بحيث يلقى على ظهره بدولاب السيارة ويرفع قدميه لأعلى ويجلد بالخيزرانة فيتألم ويتألم ويفقد الوعي ويستيقظ بلكزة في خصره وسخرية الشرطة عليه وقد بال على نفسه.

الراوي لم يخفي شيء وذكر كل الألفاظ التي سمعها ووصف ما حدث له بدقة كبيرة فيشعر القاريء بالحدث بدقة بل يجعله يعيش الحدث, فقرأت كتابه كاملا خلال يومين فقط، كنت أقرأ في كل أوقات الفراغ ..بالسيارة في لحظة إنقطاع الكهرباء في منتصف الليل. لم أستطيع أن أبعد روايته عني رغم ما يحتويه الكتاب من حزن إشمئزاز وضيق. كرهت توصيفه لبعض الأمور فغالبا ما تكون خادشة للحياء لكن لتوصيفه مغزى وفكره لن يتم إيضاحهما بغير هذا التوصيف كما طريقة التوصيف تظهر الحالة النفسيه للكاتب في لحظة الحدث.

تم توجيه التهمة للمتهم بأنه يتبع للإخوان المسلمين, فرح الراوي بهذه التهمة, فلديه ما يثبت أنه لا يمكن أن يكون من الإخوان فأخبر الضابط بأنه مسيحي بل هو ملحد بمعنى لا يعترف بوجود الله والعياذ بالله. ويخبر الراوي بأنه أول مرة يعلنها جهرا وبسعادة ففيها حريته. لكنه يفاجأ بعدم تصديق الضابط بل إن كان مسيحي فإنه بالتأكيد سيكون قد قدم مساعدة للإخوان والتعذيب له يضاعف "الطاق طاقين" ويتكرر التعذيب وفقدان الوعي مرة أخرى.

من ثم يتحدث الراوي عن ترحيله إلى السجن الصحراوي وهناك وفي يوم الإستقبال يتضح للراوي بأن ما كان قبل السجن الصحراوي ماكان إلا مزاح وتحضير لمرحلة الجد. فيتم فرز السجناء الجدد وعددهم 91  فيتضح أن اثنان منهم عسكر وعدد كبير منهم اطباء وأصحاب شهادات عليا. ويبدأ الأمر بالعساكر أحدهم عميد والآخر ضابط تم إعتقالهم بسبب عصيانهم لأوامر عسكرية. فيطلب السجان -وهو برتبة مساعد- من العميد بالشرب من ماء المجاري وقد وصفها الراوي وصفا مقززا. فيرفض العميد ويبدأ العسكر بضرب العميد وهو يقاوم بشجاعة حتى الموت. من ثم يأمر المساعد الضابط بالشرب من الماء , وبدون تردد يشرب الضابط الأسير من الماء القذر ولكن هذا لا يكفي المساعد الذي أمر بجلد الضابط وتعذيبه حتى الموت. من ثم جاء دور باقي السجناء فكلهم شربوا من ماء المجاري ويصف الراوي الحدث بأنهم -السجناء- أصبحوا مشتركين بأمرين "الشهادة الجامعية وشرب البالوعة" كان يوم الإستقبال يوما صعبا فتم تعذيب السجناء الجدد بشدة وكانوا كلهم بتهمة الإسلام فماكان من الراوي إلا أن يجهر بصوت عالي بأنه مسيحي وملحد فيأمر قائد السجانين بمضاعفة تعذيبه لأنه مسيحي تابع للإخوان ؟؟!! فأصبح ينادي بالله لإنقاذه من هذا العذاب.

 كان حصيلة هذا اليوم الموت الفوري لثلاثة من السجناء والموت لعشرة متأثرين بالعذاب, الشلل لاثنين والإصابة بالعمى لواحد.

ويستيقظ صاحبنا بعد فقدانه للوعي لمدة ستة أيام ويستطيع المشي بعد شهر وينتشر في السجن بأنه مسيحي ملحد بعد شهرين فيتجنبه الجميع بل يهدر دمه البعض من المتشددين فيحميه كبار مشايخ السجن ويعطوه الأمان لكنه ينفصل عن باقي أفراد ويصبح وحيدا ويمضي من السنين 10 سنوات لا يكلمه أحد  وهو أيضا يؤثر الجلوس وحيدا فوصف حاله كمن هو داخل القوقعة.

خلال العشر سنوات كان هناك المئات من القتلى الشهداء نتيجة التعذيب أو الإعدامات التي تتم إثر محاكمات تتم في دقائق, فلا تمر ليلة إلا ويسمعوا أصوات الجثث وهي تلقى في حاويات النقل وكان السجناء في الأجنحة المختلفة للسجن يتخاطبون فيما بينهم عبر الحائط بإستخدام شيفرة مورس عبر الحائط –بضرب الحائط ضربات طويله وقصيره- وهي الشيفرة التي كانت تستخدم في الفاكس القديم.

العدد الكبير للضحايا كان يجعلني في لحظة ما عدم التصديق لكن عند مراجعة التاريخ نجد بأن عدد الضحايا في مجزرة حماة لوحدها كان أربعون ألفا نصفهم قتل وتم حصرهم والنصف الثاني مفقود لا يعلم أين هم إلى الآن. قصة هذا السجن توضح أين هم المفقودين, فتدور أحداث هذه القصة بعد مجزرة حماة.

خلال العشر سنوات واجه السجناء بعض التحديات منها إنتشار مرض السحايا ومن ثم مرض السل والجرب وفي الحالات الثلاث كان الأطباء المسجونين يقدمون المساعدة وكانت الأدوية المطلوبة توفر لهم من قبل إدارة السجن خوفا من إنتشار المرض بين صفوف الشرطة. لكن عندما أصيب أحد السجناء بالزائدة الدودية لم تهتم إدارة السجن بعلاجه فالأمر غير معدي وإن مات فهو مفقود ولن يسأل عنه أحد. لهذا تم معاقبة من طالب بعلاج المريض بجلده عدد من الجلدات, مما إضطر أحد السجناء -وهو طبيب جراح- بعمل عملية جراحية لهذا المريض بأدوات بدائية درجة تعقيمها ضئيل فتم صنع الإبرة من العظم –قد يكون عظام جرذ- والخيط يحصلون عليه من ملابسهم والكحول من المربى وتبرع الكاتب بساعته لصناعة الشفرة لفتح الجرح, تمت العملية بنجاح.

يتحدث الراوي عن بعض الإنتصارات له وللسجناء بالسجن, منها وأثناء وقوفه على رجل واحده ووجهه للحائط -قبل بدء التحقيق- إستطاع بعد فترة طويلة إستبدال القدمين دون ملاحظة أحد له. ومن ضمن الإنتصارات أنه في السنة العاشرة كان هناك زوابع قوية, فأرسلت الرياح صفحة واحدة من جريدة صحفية فإلتصقت بسقف السجن وأصبحت عيون كل السجناء على هذه الصفحه فيتمنون أن تسقط داخل السجن وعندما طال إنتظار سقوط الصفحة, قاموا بتشكيل هرم بشري وبشكل سريع أسقطوا الصفحة وسلموا أحد السجناء مسؤولية إيصال الصفحة للجميع ليتسنى لهم قراءتها ومعرفة شيء من الأخبار وإن كانت قديمة وأسموه حينها بوزير الإعلام, حيث كان من الممنوع تحرك أكثر من سجين واحد فإن لوحظ من قبل الحراس أكثر من سجين يتحرك يتم تعليمهم ومن ثم يتم جلدهم 500 جلدة, أو يتم معاقبة جميع من في المهجع.

تحدث الكاتب عن بعض الشخصيات التي أعطته الأمل منها شخصيات أنقذته من الموت مثل الدكتور زاهي الذي أنقذ الكاتب وسهر على علاجه أثناء فقدانه للوعي وقد توفى د.زاهي نتيجة مرضه بالسل, وتحدث الكاتب عن الشيخ أبومحمود الذي حماه من ملاحقة المتشددين له وقد إستشهد الشيخ أبو محمود برصاصة في رأسه من مسدس مدير السجن. كما تحدث عن الدكتور سمير وغسان الذين عالجوا السجناء من الأمراض المعدية مثل السل والسحايا. وكانت قصة الفدائيين من أجمل ما قرأت فأعطت قصتهم الأمل بأن الدنيا بخير وأن هناك من يفدي بنفسه من أجل الآخرين طالبا الآخره كارها الدنيا. فكان الفدائيون هم من ينوبون عن السجناء الكبار والضعفاء في تلقي العذاب والجلد دون معرفة الشرطة, فالمهجع أو الصالة الواحدة في السجن كانت تحتوي على ما يقارب 300 سجين فإن كان المعلمين خلال الليلة الواحده يبلغ 33  -وهو العدد المتوسط لكل ليله- بمعنى أن هناك 33 سجينا يجب أن يعاقبوا ب 500 جلدة يخرج الفدائيون ليعاقبوا عنهم.

كما كان الفدائيون يتكفلون بكل المهام الصعبه والشائقه, على سبيل المثال إحضار الطعام من الساحة إلى السجن فمن يخرج يضرب ذهابا وإيابا ..فيكون الفدائيون لهذه المهمة.

بعد عشر سنوات يأتي أول زوار لأحد السجناء ويبدو أنها عائلة ميسورة فدفعوا مبلغا كبيرا –كيلو ذهب- فقط ليروا إبنهم وقدموا الكثير من المال لتقديم بعض الملابس والأكل للسجناء وإذ بكمية كبيرة من الخيار إلى السجناء ويصف الكاتب هذا الحال بالشكل التالي: "ما أسكرني كان الخيار، الخيار بلونه الأخضر، انسابت روائحه وعطوره إلى أنفي ودون أن أفكّر أو أعي بما أقوم به مشيت وجلست إلى جانب تلّ الخيار الأخضر أنها رائحة الطبيعة، إنها رائحة الحياة...أمسكت واحدة وأدنيتها من أنفي وتنشّقتها بعمق أغمضت عينيّ وأعتقد أنّ ملامحي كلّها كانت تتبسّم. كان كل هذا أشبه بزلزال ارتج كيانه كله فتحت عيني وإذ بغابة من العيون تحدق بي لم أعبأ, ألقيت الخيارة على كوم الخيار, مشيت إلى فراشي, تمددت, غطيت رأسي...وبكيت بصمت."

وكان نصيب كل سجين نصف خيارة لكنه عندما إستيقظ وجد أن هناك ثلاثة من السجناء تبرعوا بحصصهم له دون أن يشعر أحد بهم. وهنا تطرق الكاتب إلى عدل السجناء معه رغم كرههم له بسبب إلحاده.

وفي منتصف السنة العاشرة يخرج الكاتب من قوقعته بعد أن حدث شجارا بين السجناء ففريقا يريد حماية الكاتب السجين وفريقا يريد إعدامه بأوامر من مسجون جديد أكثر تطرفا يدعى أبو القعقاع. بعد حدوث المشكلة وبعد تصدي الشرطة لهم وعقابهم عقابا شديدا وعودتهم زاحفين للسجن . قام الكاتب وبدأ يتحدث عن نفسه و..وخرج من القوقعة وضمن عدم تكرار المطالبة بإعدامه. وهنا يتقرب له أحد السجناء يدعى نسيم وهو طبيب وفنان كان يتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة. وبعد صمت دام عشر سنوات وجد الكاتب من يتحدث معه وبإسهاب. وهنا يتحدث الكاتب عن شعور غريب يشعر به تجاه نسيم ويؤكد بأنه ليس شاذا مستذكرا دنجوانيته في فرنسا لكنه يجد الحال مع نسيم مختلفا فيصفه نسيم "أنت توأم روحي"  ويصفه الكاتب "نسيم أكبر من كل أحلامي وأمنياتي بشخص ينتشلني مما أنا فيه, بساطته ورقته جعلاني أراه أمامي ساطعا نقيا كسطوع صفحة بيضاء تحت أنوار قوية دخل إلى روحي خلال أيام قليلة .."

بعد ثلاث عشر سنة أعيدت إجراءات التحقيق وإتضح فيما بعد أن سبب سجن الكاتب كان لتهجمه  على شخص الرئيس حافظ الأسد وذلك قبل عودته لسوريا بثلاث سنوات في إحدى السهرات حيث وصف الرئيس بأنه بغلا لا يعرف له أصلا. وعقوبة هذه الشتائم هي 3 سنوات ..لكنه عوقب خطأ بثلاث عشر سنة بتهمة إنتمائه للإخوان, كان خلال هذه الفترة دائما يتسائل يا ربي لماذا أنا هنا وأنا لا أتبع للإخوان ..أجيبه بأنها الحكمة الإلهية, ليصف لنا بدقة ما حدث هناك, بدقة لا يصفها أحد غيره. كما أنه من الدارج عدم تصديق أي فرد من الإخوان  في إدعائاته ضد السلطة لما رسمه رجال الأحزاب -بين قوسين- "الوطنية" من هالة سوداء حول الإخوان..فسيكون المسيحي أكثر مصداقية.

وتنتهي القصة بالإفراج عنه بعد تدخل خاله الوزير وهنا يستطيع أن يرى نفسه أخيرا من خلال المرآه وتطلب الأمر فترة للتعرف على نفسه بعد المرآه إستطاع أن يلبس الحذاء لكن بمقاس أكبر بدرجتين فحجم قدمه تضخم خلال فترة التعذيب والكرباج.

وبعد الإفراج عنه بعام يتم الإفراج عن صديقه نسيم الذي انتحر بعد أسابيع قليلة من الإفراج ....فالداخل المفقود والخارج يحتاج لإعادة تأهيل.

لعنت الأنظمة العربية كلها, لعنت مبارك ونظامه لعنت بن علي ونظامه لعنت بشار ونظامه وعلي صالح والقذافي ولعنت الأنانية لدى البعض الذين يقارنون الحياة قبل وبعد زوال الأنظمه فيحنون لما كان قبل زوالها ويتناسون الظلم الوحشي الذي كان يتعرض له أمثال مصطفى خليفه على إختلاف الإنتماءات والديانات, فلا ندم أبدا على خلع هؤلاء الطواغيت الملعونين.